وفاه الملكه سريكيت الملكه الام في تايلند
الملكة سيريكيت – رمز العطاء في تايلاند: من الحياة إلى الخلود
في يوم الجمعة 24 أكتوبر 2025، توفيت الملكة سيريكيت، والدة الملك الحالي ماها فاجيرالونغكورن، بهدوء في مستشفى تشولالونغكورن عن عمر ناهز 93 عامًا. شكّلت هذه اللحظة محطة حزينة في الذاكرة الوطنية التايلاندية، إذ تُعدّ الملكة الراحلة «أم التايلانديين»، شخصية محبوبة وملهمة، كرّست حياتها من أجل رفاه شعبها.
لكن الحكاية مع الملكة لم تبدأ في لحظة وفاتها، بل سكنت الوجدان التايلاندي منذ عقود. يتذكرها كل من زار تايلاند، كما فعلتُ شخصيًا، حين كنت أسمع اسمها يتردد في الأماكن العامة والمراكز الثقافية، لا سيما “مركز الملكة سيريكيت للمؤتمرات” في قلب العاصمة. هذا الفضول الشخصي دفعني إلى قراءة سيرتها، فوجدتُ أمامي سيدة دولة لا تُنسى، ساهمت في تغيير حياة الآلاف من التايلانديين نحو الأفضل، ورفعت مستوى معيشتهم بجهودها الخيرية والتنموية. لهذا، لا يتعجب المرء من محبة الناس لها ومكانتها العالية في قلوبهم.
إرث الملكة سيريكيت: بين الرحمة والعمل
🔷 الحرف للمجتمعات:
أطلقت الملكة “مؤسسة سابّورت (SUPPORT)”، لتوفير فرص دخل للعائلات، وحفظ الحرف التقليدية التايلاندية، خاصة بين النساء في الريف.
🔷 البيئة والزراعة:
بادرت بمشاريع واسعة لإعادة تشجير الغابات وزراعة أشجار المنغروف على السواحل، في محاولة لإعادة التوازن البيئي واستدامة الطبيعة التايلاندية.
🔷 الثقافة والفنون:
أعادت الحياة لفنون النسيج التايلاندي، خصوصاً الحرير الملكي، كما دعمت الموسيقى والعروض المسرحية التقليدية، فكانت حامية حقيقية للهوية الثقافية.
🔷 الجهود الإنسانية:
ترأست الصليب الأحمر التايلاندي، وأشرفت على برامج إغاثة واسعة ومبادرات صحية وتعليمية شملت جميع مناطق المملكة.
لحظات لا تُنسى: أزمة لاجئي كمبوديا
من أبرز مواقفها الإنسانية تدخلها عام 1979 خلال أزمة اللاجئين الكمبوديين الهاربين من نظام الخمير الحمر، حين أمرت بإنشاء مركز إغاثة عاجل على الحدود التايلاندية في منطقة “كاو لارن”، حيث قدّمت لهم المأوى، الغذاء، والرعاية الطبية، بدعم من الصليب الأحمر التايلاندي. غيّرت تلك المبادرة مصير أكثر من 100,000 إنسان، لتظلّ شاهدة على عمق عطائها.
الوداع الرسمي والحداد الوطني
عقب وفاتها، أُعلن الحداد الوطني رسمياً. اجتمع مجلس الوزراء برئاسة رئيس الوزراء أنوتين تشارنفيراكول، وأُقيمت مراسم خفض العلم الوطني إلى منتصف السارية. وقرّر الملك إقامة جنازة ملكية وفق أعلى البروتوكولات التقليدية، وجرى تثبيت الجثمان الملكي في قاعة العرش “دوسيت مها براسات” داخل القصر الكبير في بانكوك. كما فُرضت فترة حداد لمدة عام كامل على العائلة الملكية وجميع موظفي البلاط.
صوت العالم يُودّعها
أشادت وسائل الإعلام العالمية مثل رويترز وBBC بالملكة الراحلة، ووصفتها بأنها “رمز للأناقة، والرحمة، والثقافة الملكية”، مشيرة إلى دورها الكبير في ترسيخ مكانة النظام الملكي خلال العقود الماضية. واستعادت صورها خلال زيارتها للبيت الأبيض عام 1960، حين استقبلها الرئيس الأمريكي، كأيقونة تمثل جمال ورقيّ تايلاند.
خاتمة
الملكة سيريكيت لم تكن مجرد زوجة ملك، بل كانت مَلِكة في الميدان، أمًّا في نظر شعبها، وصوتًا إنسانيًا حقيقيًا في عالمٍ مضطرب. من الغابات إلى القرى، ومن مراكز الإغاثة إلى صالات الفن، تركت بصمتها في كل ركن. وبرحيلها، تودّع تايلاند قلبها النابض بالحب والإنسانية… لكنها لا تودّع إرثها.
